Facebook
Youtube
Twitter
Instagram
Google +
Good Reads
راقب حظّ نفسك


بلية البلايا لأصحاب القضايا العظيمة أن يدخل هوى النفس لقلوبهم، أن يشوب صفاء النية غبار الـ"أنا".

شيء يستحق المراجعة الفورية أن يغلب حظّ النفس على حظّ المشروع أوالفكرة، أن تكون كلماتنا العظيمة تخدم غاية صغيرة أو هدفا خفيا، أو تروي عطشا محدودا.

إن الانتصار للقضية التي نحملها يتطلب جهدا كبيرا لا أقول في تغليب حظّ القيمة التي ندعو لها على حظّ النفس، وإنما في مراقبة النفس ومعرفة الوقت المناسب لإرجاعها إلى منطقة التجرّد الكامل؛ وذلك لأن أهواءنا خوّانة، تفاجئنا وقد احتلت منطقة كبيرة من روحنا، وبدأت في إلقاء أوامرها، والتي ترتدي غالبا أثوابا براقة لامعة.

one idea can be life-changing colorfully


لذا عندما ننظر للخلف سنجد أن كثيرا من الدعوات الكبيرة كان على رأسها شخص مُلهم، قادر على أن يعلو بالفكرة دائما، ويصنع من امتزاجه بها معنى تفرده وقوته، فيكبر بكبر الفكرة، ويعظم بعظمتها، فيضيع حظّ نفسه وينتهي.
إن هؤلاء العظماء ومع عظمتهم لم يكن في أذهانهم وهم يؤدّون دورهم في خدمة البشرية وإنقاذها، أن يضعوا أنفسهم في مكان مميز، إنهم لم يطلبوا الريادة أو يسعوا إليها، إنهم بذلوا من أنفسهم ما وجدوا أنهم مطالبون ببذله، وعندما انتهت مهمتهم وضعهم التاريخ في ذلك المكان البارز المميز دون حرص منهم ولا صلف!
 ترى ذلك جليا في العظيم محمد -صلى الله عليه وسلم- والفذّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كما تراها في سيرة الإمام "حسن البنا"، وفكر "المهاتما غاندي"، وبساطة وهدوء "نيلسون مانديلا"...

 كان كل من هؤلاء ممزوجا بالفكرة كلية، سواء كانت فكرة المساواة، او العدل، أو نبذ الظلم، أو العلوّ بالقيم الروحية، وتُرجم ذلك إلى سلوك مُلهم للتاريخ يمكنك رؤيته بجلاء عندما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- ليدعو أهل الطائف فأهانوه، وعندما أتاه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم جبلين فينتهي وجود هؤلاء الطغاة، يكون ردّ النبي، والذي أذهب حظّ نفسه وحقها تماما:
"لا لعل الله يُخرج من أصلابهم من يوحده".

كذلك عمر بن الخطاب، والذي إن عدنا إلى فترة ما قبل إسلامه نرى رجلا غليظا صعب المراس، ذا أنَفَة وعزّة، دفعت أحد المسلمين للتجاوز بقوله: "والله لا يُسلم عمر حتى يُسلم حمار بن الخطاب!"، هذا الرجل لم يجد غضاضة في أن يقف على المنبر قائلا: "أيها الناس، لقد رأيتني وأنا أرعى غنم خالات لي من بني مخزوم، نظير قبضة من تمرٍ أو من زبيب "، ثم نزل عن المنبر، وعندما عاتبه أصحابه قال لهم موضحا: "إني وجدت في نفسي شيئا فأردت أن أطأطئ منها"، إنها مراقبة حظّ النفس وقتله قبل أن يُعلن عن نفسه، ولعل هذا ما دعاه ذات مرة لأن يعيد المغيرة بن شعبة إلى أصل الفكرة، وذلك عندما قال له شعبة: أنا بخيرٍ ما أبقاك الله، فيرده عمر: أنت بخيرٍ ما اتقيت الله، فليس الأمر أمر عمر..
فمَن -أمام عظمة الفكرة- يكون عمر؟؟

دعنا نتخطى حدود تراثنا وننظر لغاندي، الذي لم ترُقْ دعوته إلى الحرية والتسامح ونبذ العنف للبعض، وكان مدهشا أن الرجل الذي لم يحمل سوى الدعوة إلى التسامح يموت قتيلا بعد ست محاولات اغتيال فاشلة، هذا الرجل الذي قُتل بسبب دفاعه عن اضطهاد الهندوس للمسلمين على يد رجل هندوسي يقول: "ليس عندي ما أعلّمه للعالم؛ فالحقيقة واللاعنف موجودان منذ بداية الأزمنة"، هذا التجرّد المذهل الذي يمنعه من القول حتى بأن حياته بها أي شيء يستحق أن يتفاخر به، وأنه ليس أكثر من فرد في كيان فكرة عظيمة.

التجرّد هو الذي صنع نجاح حركة المقاومة الشعبية "حماس" في العزيزة فلسطين، هو الذي أبقاها بعد موت الأب الروحي الشيخ أحمد ياسين، وخليفته د. عبد العزيز الرنتيسي، وغيابه هو الذي ألحق الخسارة والفشل بتجربة "البشير - الترابي" في السودان.
التجرّد هو الذي نهض بماليزيا، وتركيا، وعدم وجوده هو الذي ألحق الخسارة بكثير من التجارب المماثلة في دول عدة من حولنا، وعجّل بربيع الثورات العربية.

إن التجرّد للفكرة يحفظها من علل النفس الإنسانية، يجعلها شفافة، راقية، قادرة على خطف الألباب والعقول، كما أن تجردنا يجعلنا أكثر حنوا في التسويق لها، يقول ربنا -جل اسمه- لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}، إنه الحزن النبيل، الحزن لبُعد المسافة بين الناس وبين الحق، حزن وليس غضبا، ولا حنقا، ولا تذمّرا، إنه التجرّد يا صاحبي الذي يدفعك لأن تسعد وتفرح حينما تنتصر الفكرة، وتحزن وتتّهم نفسك حينما يتأخر النصر، وليس للمشاعر السلبية الأخرى مكان في قلب الشخص المتجرد المُخلص لفكرته ومشروعه.

التجرّد هو الذي يجعل المرء منا خادما لفكرته، طائعا لها، واضعا نفسه طوع أمرها، رجلا وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" [رواه البخاري].

أعود إليك يا صاحبي العظيم وأقول إن تجردك من حظّ نفسك، ورضاك بالدور الذي يُطلب منك -مهما بدا بسيطا- هو وحده طريق النصر والتميز.
هو الذي يجعل منك صانعا عظيما، لفكرة عظيمة، ويطير بك إلى مكانك الذي تستحقه في الدنيا.. والآخرة.

بقعة ضوء: العظيم لا يتهافت على الشهرة، بل يهرب منها؛ لأن في ضوضائها خطراً على سكينة نفسه، وتبتّل روحه، وسيادة عقله..
 خالد محمد خالد

5418 = عدد القراءات


يمكنكم اضافة تعليقاتكم مباشرة :


 

:الاسم
EX:user@website.com.EXuser@website.com :البريد الالكترونى
:التعليق

محمد جمال المصري
أخي كريم .. بقدر إعجابي بمقالك ، كان انزعاجي كبيراً باسقاطاتك ، فالتجرد أخي كريم ليس محو أسمك من صفحة الحياة ، ولكن التجرد هو فعل الصواب للوصول إلى الحق وإن خالف رأي ومنهجي وأوامر جماعتي ، والحق أن حماس لم تفعل ذلك (وأنا زرت غزة 6 مرات من قبل) إلا أن الحق والتجرد يفرض علي وعليك أن نقول ان حماس قسمت فلسطين إلى دويلتين ، وعمقت الفجوة بين أبناء النضال القديم ، وقسمت دم الأقصى بين أبناء الفصائل نعم .. هم اهلنا عرضهم عرضنا ، وشرفهم شرفنا ، ودمائهم حق في أعناقنا أمام الله تعالى يوم القيامة ، لا شك في ذلك ولا مزايدة من أحد ، إلا أن التجرد يقول أنهم لن يستطيعوا أن يحرروا أرضهم إلا بتصالح وتسديد وتقارب وإن كان على غير الهوى
amenaqub@yahoo.com
السلام عليكم جزاك الله خيرا على هذه الكتابات الرائعة فقد قرأت كتابا لك، و دفعني لأن اترك عملي واقتطع جزءا يوميا من وقتي لأقرأ كتاباتك الجميلة والى الأن قد قرأت 3كتب وكل واحد اجمل من الثاني متمنية لك مزيدا من التقدم
ازهر اللويزي
العظيم لا يتهافت على الشهرة، بل يهرب منها؛ لأن في ضوضائها خطراً على سكينة نفسه، وتبتّل روحه، وسيادة عقله..