Facebook
Youtube
Twitter
Instagram
Google +
Good Reads
الآن يجب أن أتوقف


يُروَى أن مَلِكاً أراد أن يكافئ أحد رعاياه ذات يوم، فناداه، ثم قال له:


http://www.boswtol.com/sites/default/files/imagecache/article_image/sites/default/files/10/Nov/47/42-20492884.jpg


لقد كانت خدماتك للمملكة جليلة، وتنمّ عن إخلاص ووطنية كبيرين، ولقد أحببت أن أكافئك بما لم أكافئ به شخصاً غيرك، ومكافأتي لك ستكون استثنائية.. قف خارج حدود القصر واتّجه يميناً؛ حيث الأرض المملوكة للدولة، ثم امضِ ما شاء لك أن تمضي، وحيثما تتوقف فكلّ الأرض التي قطعتها مشياً هي مِلك لك، لا ينازعك فيها أحد.


خرج الرجل سعيداً بتلك العطيّة التي منحه إياها الملك، ثم بدأ في المُضِيّ حيث أملاكه الموعودة.. أخذ يقطع الأمتار عدْواً تارة ومشياً تارة أخرى، يجلس هُنَيْهة ليستريح؛ لكنه يتذكّر أن لحظات الراحة ربما تُضيع عليه أمتاراً إضافية يمكن أن يُضيفها إلى ممتلكاته؛ فيقوم متغلّباً على إرهاقه؛ متشبّثاً بأحلام الثراء التي تتحول إلى حقيقة كلما خطا خطوة أخرى إلى الأمام.


دَنَت الشمس من المغيب، وبدت معالم المدينة في الغياب أمام ناظريه، وبدأ جسده المُنهك في الصراخ طلباً للراحة والهدوء؛ لكنه كلما أراد أن يستريح، تذكّر أن الغد به مُتّسع من الوقت للراحة، وأن تلك اللحظات هي فُرصته الذهبية التي لا يجب أن يُضيعها في القعود والسكون.


غابت الشمس، ولا يزال صاحبنا يمضي مترنحاً، وقد بدأت معدته الخالية في تذكيره بحاجتها إلى مطعم ومشرب، وهي التي لم تذُق طعمهما منذ الصباح الباكر؛ لكنه أكمل سيره؛ فما أهمية أن يجلس ليأكل ويشرب الآن مُضيّعاً جزءاً من ممتلكاته؟


هكذا بات يحسبها.. إن لحظة الراحة والطعام والشراب باتت تساوي الكثير من المال؛ فليمضِ إلى منتهى جُهده وبعدها فليُرِح الجسد المُنهك.


وباتت الأمتار يجُرّ بعضها بعضاً، والمسافات تتّسع، وكلما اتّسعت بدا الرجل شرِهاً في إضافة المزيد.. ولأن نواميس الأشياء هي الثابتة؛ فقد سقط الرجل من شدّة الجوع والعطش والتعب، ليُدرك حينها أن رجوعه إلى المملكة بات أمراً صعباً؛ إن لم يكن مستحيلاً، ويحتاج إلى جهد ومشقّة يَلِيقان برجل في قمّة نشاطه، لا بشخص مُنهك القوى.


لقد جرى وراء طموحه؛ فلم يتسنَّ له أن يُعِدّ العُدّة لتلك الرحلة، ولم يحمل من الزاد إلا القليل، وطغى حُلمه عليه؛ فلم ينتبّه إلى خط سيره، أو يضع خطة لكيفية رجوعه إلى المملكة ثانية.


وللمرة الأولى شَعَر الرجل بحجم المأزق الذي وضع نفسه فيه، شَعَر بأن نهاية جميع الأحلام باتت قريبة؛ لكنها -يا للفاجعة- نهاية مريرة لم يتوقعها.


الآن يجب أن أتوقف.. لماذا لم أقُلها في الوقت المناسب؟ لماذا؟


هكذا ردّد في ألم وحسرة، قبل أن ينظر إلى الأرض التي قطعها في سيره، والتي باتت ملكاً خالصاً له، ثم ابتسم في أسى قبل أن يُغمض عينيه إلى الأبد.


هل تُذَكّركم هذه القصة بشيء يا أصدقائي؟ هل يرى فيها أحدكم جزءاً من حياته، وبعضاً من سلوكه وأفكاره؟

 

أنيس منصور يُذهلنا بحقيقة مريرة عندما يقول "في معركة البحث عن لقمة العيش، ننسى في كثير من الأحيان: لماذا نعيش".


في ركضنا المتواصل من أجل جني أمتار إضافية في رصيدنا البنكي، والجلوس خلف مِقوَد السيارة التي حلمنا بها، والعمل من الصباح الباكر إلى المساء الداكن قبل أن نسقط في غيبوبة تؤهّل أجسادنا للدوران في الدائرة من جديد، ننسى لماذا نعيش.. ننسى في زحمة الدوران في الدائرة التي صنعناها بأنفسنا أن نسأل السؤال المهم: متى يجب أن أتوقف، لأعيش؟


متى يجب أن أقول "أحبك" لزوجتي وأمي وأبي وجميع من أحبهم؟ متى أصطحب أبنائي ضارباً عرض الحائط بروتين الحياة المعهود، وأغلق هاتفي وأستمتع معهم بالحياة؟


متى يجب أن أجلس مع روحي لاستعادتها؛ فاقرأ تلك الكتب التي ألقيتها حتى يحين وقت مناسب، وأقوم بالرحلة التي أجّلْتُها لعدم سماح الظروف؛ مؤكداً لنفسي والآخرين بأن الوقت المناسب لأن أعيش مستمتعاً هو الوقت الراهن.


ليس هناك تضارُب بين أن أعرق صباحاً وأستمتع ليلاً.. أن أعمل وأكافح وفي الوقت نفسه أستمتع بحياتي، وأعيشها دون تأجيل للحظات الجميلة السعيدة.


إن الحياة ليست بروفة لحياة أخرى، وانسلالها من بين أيدينا؛ يعني بأن أعمارنا تضيع، وتذهب سدى..


والذكي فقط، هو من يمتلك القدرة -أمام إغراء المادة وطغيانها- أن يكبح زمام رغباته قائلاً بصرامة: الآن يجب أن أتوقف

6768 = عدد القراءات


يمكنكم اضافة تعليقاتكم مباشرة :


 

:الاسم
EX:user@website.com.EXuser@website.com :البريد الالكترونى
:التعليق

فـــــرح
قصة رائعة وكل ما قرأته حقا رائع ولا اجد الكلام لاعطيك حقك من الشكر شكرا الك استاذي دمت بود
no name
الحياة ليست بروفة لحياة أخرى
نودى الصياد
اعجبنى كثيرا ولكن الحياة تتطلب منا مزيد من الجهد ولكن يجب ان يستمتع كل شخص بما يصنعة ليشعر بلذة الحياة
Mr/ Rady Alwakeel
بمنتهى الأمانة كلام رائع جداً وجزاك الله خـــيراً ،، وبارك فيك ونفعنا بعلمك (( اللهم آمــــين )) وكلامك هذا مطابقاً لحديث رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام " روحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عَمِيت " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
rawan
prefect story.thank you
رفيقة دربى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :هو اكيد كلامك صحيح يا أستاذ كريم و اكثر من رائع لأنه لا ينتج من فراغ و انما من تجارب ومعارف ولكنى ارى انه فى بعض الاوقات عندما يحاول الانسان ان يقف ليعيش لا تساعده الظروف التى تحيط به لانها الزاميه و ليست اختياريه بس المهم انه على الاقل بيحاول . وفقك الله للخير دائما
محبة للحياة
اعتقد والله اعلم ان قراءة هذا المقال هو بداية الطريق الصحيح لأنك اخي القارئ بدأت تفهم ان الحياة بحاجة لوقفة وانت الان تقفها فوفقك الله لفهم الحياة انها سلم السعادة للاخرة وجزاك الله اخي الكاتب لما نبهتنا به من كلمات في مقالك الموفق
تلميذة في مدرستك
صدقت استاذي في كل حرف كتبته فلقد اشغلتناا لحياة عن الاشخاص الذين نحبهم.. ولقد حان الوقت لنقف ونعطي الفرصة لانفسنا لتعبير عن مشاعرناا لكل من نحب ف حياتنا قبل فوات الاوان جزاك الرحمن خيرا.. وجعلك من اهل الجنة قرب حبيناا محمد عليه افضل الصلاة والسلام
ميمي
كلآلآلآلآم رآآآآآئع دكتور كريم الشاذلي جزاك الله خير الجزاء
مروة
راااااااااااااااااااااااائعة
محمد سعيد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة الان يجب ان اتوقف عن كل شيء يضيع كل شيء فى حياتى ولان يجب ان اقراء واثقف نفسى واهتم بدينى ودنياى انا بشكرك جدا استاذ كريم على كل كلمة كتبتها فى كتبك محمد سعيد
عمر
كلآآآم رااائع أستاذ كريم
محمد خميس
الرغبة والطموح والمستقبل هو حال كل انسان ما دام انه بشر ام ان يتحول الرغبة الي نهم لا يشبع والطموح الي جشع والدنيا هي للدنيا فقط ولا يوجد اي اعتبار لأخرة أوحساب فان الانسان مهم بلغ من ممتلكات فانه لا يصده عن جمع المزيد اي واعظ وان دفعته نفسه الي الهلاك
محمد جمال المصري
اخي في الله كريم . أشهد الله أني احبك وتعلمت كثيرا كثيرا من كتبك ، فلقد قرأت لك 11 كتاب ، كانوا بصدق بالنسبة لى كقطرة الماء البارد في صحراء الحياة ، ولا أعلم إن كان لك كتب أخرى أو لا فأنا أعيش في السعودية و لعلي واحد ممن كتبت عنهم أو لهم هذا المقال الرائع،واحد من الذين يجرون وراء أحلامهم ، وكلما إذدادوا قربا إذدادوا ابتعادا ، وما أكثر الضائعين في زحام الحياة، أرجوا لك التوفيق والنجاح متمنيا من الله تعالى أن يجعل كتبك ترجمة لشخصك وتوصيفا لصفاتك
radwa
كلام جميل جدا ويارب الكل يفهمه كويس جدا ويعمل بيه لان دلوقتى طبعا الكل بيفكر فى الماده وهيكسب كام مش بيفكر فى اى حاجه تانيه وجزاك الله كل خير يا استاذ كريم على الكلام ده
samar
صح فعلا يااستاذ كريم فلابد ان يكون لطموحاتنا سقف وزى ماحضرتك قلت احنا مش بنخزن السعاده لحياه تانيه لازم نعيشها لانها بتتعاش مره واحده بس بس علشان نعيشها صح لازم نفهمها صح جميل المقال جزاك الله عنا خير الجزاء